تخطي للذهاب إلى المحتوى

التدين الرغوي

3 فبراير 2026 بواسطة
أحمد عثمان

رحلة البعثي إلى التدين الرغوي


  جيم كان مشهوراً بين جيرانه وعشيرته بأنه كاتب تقارير، وكان أمين الفرقة الحزبية. لم يكن أحد يجرؤ على نقده أو مواجهته. كان يستشهد دائماً بأقوال الرفيق المناضل والأب القائد، عندما يريد أن يُفحم أحدهم....دارت الأيام، واختفى الرفيق المناضل والأب القائد. وإذا بصاحبنا  قد تحوّل تحولاً مريباً. لقد طال ذقنه، وبات يتكلم الفصحى وينصح الناس. هذا الذي كان يوماً ما يقضي وقت صلاة الجمعة في الاجتماع الحزبي، وكان يحرص على أن يعلم الرفيق العضو العامل الأعلى منه، أنه بعيد كل البعد عن هذه الأماكن... ولكن يبدو أن العضو العامل قد بات أميراً أو ما شابه، وصاحبنا  صار مجاهداً بعد أن كان مناضلاً. الأخ جيم بدل الرفيق جيم...

وهكذا يتكوّن لدينا الأخ المتدين الرغوي.

من هو المتدين الرغوي؟

الرغوي لا يمتُّ للتدين بصلة. إنما هو مجرد انتهازي وجد في الدين الغطاء الأنسب لنزواته وللاعتداء على الناس والسيطرة عليهم.. .تماما كما كان يوماً رفيقاً مناضلاً يستغل منصبه الحزبي في تحصيل رغباته الشخصية... الرغوي يلوك الآيات والأحاديث ولكن في سياقات خاطئة. يخوّف الناس بأنه المجاهد، وأنه حارس العقيدة، لكنه فظ، غليظ القلب، يعتبر كل نقد له حرباً على الدين...والحقيقة أنه لا يعبد إلا العروش... المبادئ بالنسبة له مجرد لافتات...ضجيج من الخارج فراغ من الداخل...يوهمك بيقينياته لكنه يرغي ويزبد من أي سؤال...يتحدث عن التوحيد وينصب نفسه محللا ومحرما من دون الله لمجرد اعتلاء منبر صغير...الدين وسيلة لقص الألسنة لا تطهير القلب بالنسبة له....

كيف التقت البعثية بالتدين الرغوي؟

بدأت ظاهرة التدين الرغوي في العراق عقب سقوط حزب البعث العربي الاشتراكي. حيث تحوّل الإخوة الرفاق إلى مجاهدين فجأة... الكثير من التقارير تؤكد أن جزءاً كبيراً من قادة التنظيمات الرغوية كانوا ضباطاً سابقين ...فما السر  الذي يربط البعثي بالتدين الرغوي؟

نشأ البعث على أيديولوجية واضحة مبنية على مركزية الدولة، وتعبئة الجماهير بخطاب يقيني صارم، وتنظيم حديدي، ورفض التعددية الفكرية، والسيطرة على المجتمع بكل تفاصيله... هذا الفكر خلق في نفسية  الرفاق يقيناً أحاديا ...، وإيماناً بالزعيم الفرد المخلّص...وتمرسا في الخطاب التعبوي الشعاراتي الشعبوي...ويتم استعمال كل تلك المهارات في سياق انتهازي أناني ... وبالتالي وعند سقوط البعث وجد الرفاق في الخطاب الديني القشري قالباً يناسبهم تماما...والذي شكل في الوقت نفسه غطاء اجتماعيا يجب كل خطاياهم السابقة ويغطي على ماضيهم المخجل....

وهكذا، وكما يقولون في علم الإدارة، فإن المهارات المكتسبة في مجال معين يمكن نقلها إلى مجال آخر. الشخصية البعثية كان من السهل عليها أن تتحول إلى شخصية قيادية في تنظيم ديني قشري رغوي... كما أن الكثير من الدراسات التي أُجريت على التنظيمات القشرية في العراق أظهرت أن البعثيين السابقين انضموا إليها ليس عن عقائد دينية، وإنما لأنها وفرت لهم الدعم الاجتماعي والحماية

كيف يعمل المجتمع الرغوي؟

ولأن هذه التنظيمات القشرية مليئة بالرغويين، يصبح من الصعب، أو من النادر، أن يقوم أحدهم بالنقد أو التساؤل ... الموضوع يتحول إلى رغاء بحت  لا يوجد أي عمق. لا يوجد أي نقاش. لا توجد مراجعات. إنما هناك تواطؤ جمعي على قبول الثقافة الرغوية كاملة بكل عيوبها... مع خوف يسكن الكل من الكل حيث يختفي الخونة والمنحرفون فجأة من الحياة!... الناجي غالبا هو الأعلى صوتا أو الأقوى دعما والأكثر فهما لعقلية قطيع الرغويين من حوله!!

دين ضد دين

المفارقة أن القرآن يدعو إلى عكس ذلك تماما... القرآن مع الفئة القليلة المخلصة... يتحدث عن الزبد الذي يذهب جفاءً مثل زبد البحر... وقصة طالوت تدل بشكل واضح على أهمية التخلص من الرغويين، كثيري الكلام قليلي الاخلاص...

صاحب الخلق المعتاد على سماحة الدين والذي كان هدفا لتقارير جاره البعثي سابقا و لتنمره الرغوي حاليا يقف أمام مفترق طرق... هو يعلم تماما أن جار السوء هذا لم يتغير نهائيا فهو نفس الكذاب الأشر... ويرى بعينه أنه تدين خارجي لا جوهر له. مجرد شعارات خاوية من الإيمان الحقيقي.. في البداية لم يأخذ الموضوع بجدية وظن أن الناس لن يكونوا بتلك السذاجة وسيسخرون من هذا الطبل الأهبل..ولكنه تدريجيا بدأ يحس بالخطر وبدأ يرى الخطاب الرغوي يعلو أكثر فأكثر حتى بات كاتب التقارير خطيب الحي! وبات هو المتهم، لأنه لا يساير خطابهم القشري الجلف المغرور الهش الانتهازي.  ينزوي حزينا في زاويته متسائلا هل أنا المصيب وكلهم على خطأ...متناقضاً بين تصنع إحسان الظن ، وبين ما يشعر به ويعلمه من ظلم الرغويين بقي مشلولا! ومع أنه يعلم تماما أن الأتقياء  لم ولا ولن يرفعوا صورة أي زعيم ... وأنهم لا يسمون من يخالفهم زنديقا ولا من يمدحهم أولياء صالحين... وانهم لا يفزعون من الأسئلة الصادقة ... وأن كل صفاتهم عكس ما يرى ...لا يزال متجمدا حائرا !

كيف تكتشف الكائن الرغوي؟

عندما تجد بعثياً سابقاً صار فجأة يتحدث باسم الدين،  فأنت تدرك بسهولة أن هؤلاء الأشخاص الذين أنتجتهم السلطة القديمة سيعيدون إنتاج نفس السلطة ولكن بعنوان جديد.. ولكن هناك من لم ينتسب للبعث بسبب عمره أو لظرف آخر... ومع ذلك احترف الرغوية البعثية نهجا للحياة... لذلك فكما أن للمنافق ثلاث آيات، فإن للرغويين آيات كثيرة من عرفها  سلم ومن جهلها تجمد أو وقع في الفخ...

التحولات السريعة... الخلفية الغامضة أو المريبة... سطحية المعرفة الدينية والدنيوية... تركيز على الشكل مبالغ به على حساب الجوهر... رفض الأسئلة ومحاربة النقد..التسلط والرغبة في السيطرة.. الصوت العالي والصخب..الانتهازية.. التصرفات الصبيانية والاستعراضية..غياب الاخلاق.. الحديث عن مصلحة الأمة  إن لم توافقه فأنت ضد الأمة...التحريض العاطفي باستعمال كليشات هذه حرب على الدين هذا عدو الأمة...عدم الاكتراث ببديهيات بناء المجتمع كالعدالة الانتقالية والعمل المؤسساتي وحماية الدين من الاستغلال والمحاسبة على الأخطاء والمساواة أمام القانون.....

إن شخصت بعضا من تلك العلامات عندها يجب أن تعلم جيداً أنك أمام كائن رغوي، يوشك أن يغزو المجتمع شيئاً فشيئاً حتى ينخره من الداخل فيصبح أوهن من بيت العنكبوت..

أحمد عثمان 3 فبراير 2026
شارك هذا المنشور
علامات التصنيف
الأرشيف
الكرد أخوتنا!