تخطي للذهاب إلى المحتوى

أين صديقي

3 فبراير 2026 بواسطة
أحمد عثمان

أين صديقي؟


منذ فترة بات يسكننا رعب من قراءة الفيسبوك خشية ان يكون صديق اخر قد عبر للضفة الثانية.. وليس أصعب من انكسارة من جمعتهم الشدائد أن يفترقوا.. وحتى لا نبقى في دوامة الصدمات والانكسارات المتلاحقة لازم نفهم شو عم بيصير..ومع الأسف مضطرين نحكي شوية حكي نظري بس مهم لحتى تبطل استغراب و انحباط!

مفاتيح وأصوات

المفتاح الاول الهوية.... اغلب الناس يحكمون اخلاقيا عبر الانتماء قبل المبدأ.. يعني مثلا الظلم علينا نحن فقط هو الذي يوقظ ضمائرنا.. اما الظلم الذي نمارسه نحن فنراه تفصيلا.. الهوية عميقة وبسيطة وقديمة.. والإنسان عادة يختار موقفه الهوياتي اولا… ثم يغطيه بلون اخلاقي لاحقا

المفتاح الثاني السلطة .... هناك نفوس لا ترى العدل الا عبر القوة.. لا يغيرون رأيهم بسبب الفكرة.. بل بسبب من جلس على الكرسي… مع السلطة القديمة.. ثم مع الجديدة.. والامر بالنسبة لهم واحد.. ليس نفاقا بالضرورة.. بل لان القرب من السلطة يعطي احساسا بالامان

المفتاح الثالث التبرير الاخلاقي... الانسان لا يحب ان يواجه نفسه.. لذلك صنع جهازا نفسيا مذهلا لتقليل التوتر.. يعيد تعريف الكلمات.. ينتقي الادلة.. يعيد ترتيب الاحداث. نفعل شيئا بدافع هوية او خوف او مصلحة.. ثم نصنع مبدأ يبرر ما فعلناه.. ثم نصدق ان هذا المبدأ كان في داخلنا منذ البداية… العقل هنا محام لا قاض.. يبرر لا يحاكم

المفتاح الرابع الشدائد والرخاء... في الشدة تضيق الخيارات.. فيتشابه الناس.. الخطر واحد.. المصير واحد.. ولذلك تبدو مواقف الجميع شجاعة… اما حين يأتي الرخاء فتتسع الخيارات.. ويعود كل شخص الى بنيته الاصلية.. فتراهم يتفرقون.. وتكتشف من كان شجاعا لانه يريد… ومن كان شجاعا لانه مضطر

الاصوات الثلاثة داخل الانسان... بعد كل هذا تتشكل في الداخل ثلاثة اصوات… صوت الهوية يقول كن مع جماعتك.. صوت القوة يقول كن مع المنتصر.. صوت المبدأ يهمس كن مع الحق… والصوتان الاول والثاني اعلى ... اما صوت المبدأ فلا يمكن سماعه إلا بإسكات الضوضاءمن حوله..

 

أين يحدث سوء الفهم؟

الخطأ اننا حسبنا اننا وجدنا توأما يشبهنا.. ظننا اننا التقينا على المبدأ… بينما الحقيقة اننا التقينا على الجرح.. هناك من يرى الظلم ظلما ايا كان الفاعل.. وهناك من لا يرى الظلم الا اذا وقع على جماعته.. هذان قد يقفان في الخندق نفسه.. لكنهما ليسا في الارضية نفسها.. جمعهم الجرح فقط.. فهم يشبهون بعضهم لانهم هربوا من الالم نفسه.. لا لان لديهم منظومة قيم واحدة.. وهذا التماثل مجرد حالة انفعالية مؤقتة… تتغير حين تتغير الظروف... هناك مؤشرات تدل على الافتراق القادم ولكن الجميع يختار تجاهلها!

الصدمة ! صديقك بات صديقه!

من اقسى المشاهد ان ترى من وقف معك ضد الظلم يقف اليوم مع من برره… ليس انقلابا فكريا.. بل انكشافا لما كان في الاصل… من كان معك بدافع المظلومية الخاصة سيغادر حين تنتهي مظلوميته.. من كان معك بدافع الهوية سيعود لهويته.. ومن كان معك بدافع القوة سيتحرك مع القوة... والحقيقة أنكما التقيتما في منتصف الطريق.. لا في الطريق نفسه

المعادلة الاخطر حين تتطابق السلطة مع الهوية!

هذا التحالف التاريخي الأقوى ضد المبدأ.. فحين تصبح جماعتك هي السلطة يدخل الدماغ في وضعية توفير الطاقة… فيبرر كل شيء بلا تفكير.. الظلم يصبح ضرورة.. النقد الداخلي يتحول تهديدا.. الاختلاف يصير خيانة.. ويصل العمى الاخلاقي الى ذروته.. البقاء في صف الجماعة يبدو اسهل الطرق للسلام الداخلي.. وما لم ترفع حساسيتك الأخلاقية إلى ذروتها عن حدوث هذا الاقتران فإن بصيص المبدأ داخل روحك سيخفت إلى غير رجعة.. ربما!

اين القيم وهل الناس بلا مبادئ!

ابناء الهوية يرون الحق بعين جماعتهم.. وابناء القوة يرونه عند المنتصر.. وابناء القيم  وهم قلة نادرة يرون الانسان قبل الراية.. وهؤلاء وبرغم قلتهم فهم الأهم.. لان وجودهم يعدل بوصلة النوعين الاول والثاني ولو قليلا.. هم الشهداء على الناس وهم ضمانة حماية الضعفاء والمساكين...وهم الذين يبقون لوحدهم في أغلب الأحيان... لكننا جميعا في لحظات الصدق نتمنى أن نكون مثلهم!

هل سأستعيد صديقي!

ان اردت ان تعرف هل سيعود صديقك فاسأل نفسك ماذا كان يجمعكما.. ان كان المبدأ فسيعود… فالمبادئ تصنع جسورا لا تنكسر بسهولة.. اما ان كان الجرح فسيفرقكما الشفاء.. وان كان الخوف فسيفرقكما الامان....  ربما يعود وربما لن يعود… لكن في الحالتين ربما لم تخسره.. بل رأيته بوضوح 

ليس كل من تغير خانك… بعضهم فقط عاد الى موقعه الاصلي.. ربما علينا أن  نرى الناس كما هم.. لا كما نتمنى… الصداقات الحقيقية لا تقاس بمن بقي قربك… بل بمن بقي على قيمه عندما لم يعد لذلك اي مكسب.

أحمد عثمان 3 فبراير 2026
شارك هذا المنشور
علامات التصنيف
الأرشيف
كهف اللصوص