تخطي للذهاب إلى المحتوى

كهف اللصوص

3 فبراير 2026 بواسطة
أحمد عثمان

كهف اللصوص


أي تشابه بين ما سأَسرده وبين الواقع هو مجرد صدفة... مع أن هذه القصة ليست من وحي الخيال بل من وحي الواقع الذي حدث منذ سبعين عامًا...حوالي اثنين وعشرين مراهقًا تم تقسيمهم إلى مجموعتين... كل مجموعة سكنت في منطقة مستقلة عن الأخرى... هذا كان أساس التجربة الاجتماعية النفسية التي قام بها عالم النفس التركي الأمريكي (صدفة يا جماعة) مظفر شريف.

المرحلة الأولى:

في الأيام الأولى من التجربة قام كل فريق بخلق طقوسه الخاصة ورموزه الخاصة وحتى قيادته الخاصة... اختار بعضهم اسم الأفاعي واختار الآخرون اسم النسور

كانت هناك بركة سباحة يذهب إليها أحد الفريقين... وفي أحد الأيام تركوا بعض الأوراق هناك... وعندما وجدوها لاحقًا بدؤوا يتحدثون عن مؤامرة خارجية...

المرحلة الثانية:

قام المنظمون بتعريف كل فريق بالآخر... وقالوا لهم إن هناك فريقًا آخر يشاركهم الأرض... ثم وضعوهم في منافسات رياضية صفرية لا يفوز فيها إلا طرف واحد... ومع هذه المنافسات بدأت الكراهية بالانتشار.. وانتشرت ظواهر غريبة! هاجم بعضهم مخيمات الآخر ليلًا... استخدموا الجوارب المحشوة بالحجارة كسلاح فردي... ومزقوا أعلام بعضهم... وأطلقوا على خصومهم أسماء تحقيرية..

هنا انتهت المرحلة الثانية من التجربة وهي مرحلة الصراع على الموارد.

المرحلة الثالثة:

حاول فيها الفريق العلمي جمعهم حول طاولة واحدة للأكل والحوار والتعارف... ولكن ذلك لم يغير شيئًا... وبقي العداء مشتعلًا

المرحلة الرابعة:

 خلق الباحثون مشكلات أكبر لا يمكن حلها إلا بالتعاون... عطلوا شاحنة في الطريق ولم يستطع أي فريق تحريكها بمفرده فاضطروا للتعاون... تكررت نشاطات أخرى مشابهة فيها مواقف نجاة لا تنجح إلا بالعمل المشترك.. وبعد مجموعة من هذه المواقف بدأت العلاقات بالتحسن تدريجيًا... حتى انتهت التجربة وهم يغنون في الباص نفسه عائدين إلى المدينة وقد نسوا كل أسباب العداء السابقة... كانت التجربة رغم بساطتها تفسيرًا عميقًا لما يسميه علم النفس غريزة القبيلة والولاء... ورغم النقد الذي وُجِّه إليها بأن العالم شريف تلاعب بالمشاركين ولم يخبرهم بالهدف الحقيقي للتجربة... إلا أنها بقيت واحدة من أكثر التجارب كشفًا لطبائع البشر.

عندما

يترسخ الشعور القبلي في الإنسان فإنه يبدأ بتفسير كل شيء من حوله بلغة نحن وهم... يرى في كل تصرف من الطرف الآخر عدوانًا ... يتسع عماه الأخلاقي بقدر ما يضيق أفقه الإنساني... يصبح قادرًا على التضحية والشجاعة في سبيل قبيلته لكنه في الوقت نفسه يحمل كراهية عمياء تجاه الآخر... فينفصل الضمير عن العدالة وتتحول القيم إلى ملكية خاصة بالجماعة لا بالإنسان.

ولهذا

احتاجت المجتمعات المتقدمة إلى التحرر من الولاء الضيق نحو ولاءات أوسع لا تشكل خطرًا على النسيج الاجتماعي... وأدركت أن العدالة هي السلاح الوحيد الذي يكبح غريزة القبيلة... فعندما نثق بأن المؤسسات تحقق العدالة للجميع يقل اعتمادنا على القبيلة... ونؤمن بالنتيجة حتى لو كانت ضدنا... وسّعت المجتمعات الحريصة على شعوبها تعريف الـ"نحن" وربطت الولاء بالقيم لا بالدم أو الفكر أو الحزب... وأصبحت اللغة الرسمية لغة ترتقي بالولاء... وصارت المكافأة للنزاهة لا للولاء الأعمى... حتى تشجيع الرياضة يصبح مساحة شبه آمنة لتفريغ الشعور القبلي بدلا من أن يتحول إلى حرب ودماء! باختصار :  نضج المجتمعات يُقاس بقدرتها على تحقيق العدالة في تفاصيلها الصغيرة... وبمدى استقلال هذه العدالة عن الانتماءات.

أسأل نفسك!

مع أن هناك إجراءات كثيرة يمكن أن تساعد على تجاوز القبلية نحو الولاء القيمي ونضج وتقدم المجتمع... لكن المدهش أننا نسير في الاتجاه المعاكس حرفيا... اللغة التي ترسخ القبيلية باتت لغة توازي وصايا الأنبياء من ناحية القبول والتهليل... واللغة التي تحاول ربط الولاء بالقيم باتت أقرب للخيانة.

اسأل نفسك في المرة القادمة التي يحاول أحدهم دعم حسك القبيلي... لماذا يريد  أن يربطك بغرائزك بدل قيمك... لماذا يسعده أن تنخفض مساحة رؤيتنا... وأن ننشغل بكراهية بعضنا..لماذا لا يراد لمجتمعاتنا أن تنضج!

اتساءل بجدية إن كان البعض يرانا مجموعات من المراهقين يعيشون نسخة موسعة من تلك التجربة القديمة... التجربة التي لم تعد على اثنين وعشرين مراهقًا بل على اثنين وعشرين مليونًا... ما أعلمه يقينا أننا تجربة اجتماعية ضخمة ستدرسها الأمم يومًا لتفهم كيف يفقد شعب إنسانيته ببطء وسيتحسر الأحفاد على مدى غباء أسلافهم!

ماذا نحتاج!

احتاج أولئك الصبية إلى شاحنة عالقة كي يكتشفوا أنهم لا ينجون إلا معًا... فهل سنحتاج نحن إلى كارثة وطنية كي نتذكر إنسانيتنا... أم سننتظر أن يجلب لنا أحدهم شاحنة لا يمكن أن تتحرك إلا إذا دفعها الشعب بأكمله... أم نحتاج فقط من يذكرنا أننا في الباص نفسه منذ البداية...

أحمد عثمان 3 فبراير 2026
شارك هذا المنشور
علامات التصنيف
الأرشيف
الحيطان المزخرفة