الحيطان المزخرفة
منذ حوالي ربع قرن كنت أظن بسذاجة أن النقاش قد يغير النفوس. كان لنا زميل مؤمنًا بالأب القائد وكنا نحاوره علنا نزعزع إيمانه به. كنا نحمل له ملفات الفساد والظلم والمجازر، ولكن تلك الكلمات لم تكن موجودة في قاموسه. فالظلم عنده مجرد أقاويل، والمجزرة سوء فهم، والظالمون أعوان لا علم للقائد بهم. والحجة الكبرى التي كان يلوّح بها دائمًا: "هناك أشياء كثيرة لا تدركونها." وفي نهاية النقاش كان يحس نفسه منتصرًا، تعلو محياه ابتسامة الرضا. وكنا نستذكر مقولة الغزالي: كلما تحدثتُ عن العدالة والمساواة، ظنني البعض شيوعيًا. وكنت أسأل نفسي كيف لي أن اخترق كتلة اللامنطق الواثقة هذه!
خاتم أثقل من وطن
ولأن عقلي اعتاد على العبث في تلك الأيام من عبثية تلك الردود... فقد وجد في صورة معلّقة على أحد الأبواب مالم يجده في كتب التاريخ وحجج المنطق... لقد كان في يد السيد القائد خاتم من الذهب...هنا كانت وجدتها تبع ارخميدس تنتحر... كانت تلك المرة شبه الوحيدة التي لم يكن صديقي شديد الثقة بنفسه، يبدو أن شيخه لم يجد الوقت الكافي ليُلقّنه كيف يمكن للذهب حول إصبع السيد الرئيس أن يتحول فجأة إلى فضة... غرام من الذهب كان أثره أقوى من مجازر وصراعات وأوطان وأجيال
تغيير اللغة
حين تقوم أجهزة الإعلام بتقديم الحقائق في إطار محدد فإنها توجّه الناس إلى طريقة تفسير واحدة، فلا يصعب عليها إقناعهم أن المجزرة مجرد خطأ فردي. المتلقي يفقد حرية التفكير ويصبح دماغه مهيأً لإطارات جاهزة تبتلع أي حوار: الفساد إشاعات، الظلم سوء فهم. كل حجة داخل المنظومة تُقبل فورًا، وكل حجة خارجها تُرفض بلا نقاش والعقل مجرد ضيف شرف ...
السلطة تضمن أيضًا عدم المساواة في الصوت، صوت واحد عالٍ شديد التكرار يمثل منطقها وما عداه يُحذف ويُسحق ويُهمش ويُسخر منه. وهكذا تصبح الحوارات مجرد ترديد لما تريده السلطة ويتحول جمهور المتلقين إلى أقزام. وفي النهاية تختصر النقاشات إلى كلمات بلا منطق، تكرارات جوفاء لشعارات الوطن والدم والشرف والإرهاب. تدور الأيام وتتبادل السلطات الأدوار لكن الآليات نفسها تبقى ثابتة
ذكرى جدار
وعندما تتواجه يومًا مع شخص مثل صديقي بحيث تعييك الحجة وتتعب من محاولة إقناعه فاعلم أنك لا تتحدث إلى إنسان، أنت أمام ذكرى إنسان. مخازن من الردود الجاهزة التي تم تلقينها له. العقل خارج الخدمة مؤقتًا في الكثير من القضايا. هو أشبه بجدار مزخرف بالشعارات وبضع خطب محفوظة ورفوف ممتلئة. لن تجد هناك مكانًا للظلم، وبدل العدالة ستجد: أخطاء فردية، الزعيم طيب المحاط بالأشرار و و. ومع ذلك ربما تصادف رفًا خاليًا لخاتم ذهبي ... أنت تناقش منظومة صلدة بنيت بإحكام لتقوم بدور تمويهي اجتماعي وسياسي فلا تشك بقدراتك العقلية!
شاهد ومشهود
الأسماء تتبدل والسنن تبقى ثابتة. الحجج الكبرى تُهمش وتُسطح بينما الثغرات الصغيرة تصبح هي الأمل. العقول الصغيرة تحوّل القضايا العظيمة إلى سرديات مسطحة، فلا تبحث عن عدالة أو مساواة أو دماء، بل تنتظر رقمًا صغيرًا أو تفصيلة تعجز قواميسهم عن معالجتها. سيأتي سياسيون آخرون، ومن خلفهم منظرون آخرون رجال دين أو فلسفة أو أدب أو فن يقومون بدروهم بصناعة الحيطان المزخرفة وآلات التمويه. المنطق سيُدفن مرارًا، لكن ستبقى تلك اليد الملطخة بالدماء والخاتم الذهبي حول الإصبع شاهدًا أبديًا حتى على العقول الصغيرة.