الكرد أخوتنا!
مو كل الأكراد خونة!
نحن لا نعني جميع الأكراد فالأكراد إخوتنا إنما نقصد فقط جماعة فلان الانفصالية. في ظاهرها تبدو هذه العبارة عادلة بل مطمئنة. تنفي التعميم وتؤكد الاخوة وتمنح قائلها شعورا بالاتزان والانصاف. ومع ذلك طعم كالعلقم يرافق سماعها. لا لأنها قاسية بل لأنها مألوفة أكثر مما ينبغي. تتكرر منذ زمن طويل وبأشكال مختلفة من أشخاص بعينهم. وهذا التكرار ليس بريئا بل له وظيفة أبعد من مجرد التعبير عن رأي محايد حباب!
أباء الفتنة الأوائل!
من أسس لهذا الخطاب وروّج له في بداياته لم يكونوا أصحاب ضمائر يقظة ولا مدافعين عن حقوق الانسان. بل كانوا أشخاصا يحملون حقدا اقصائيا واضحا لكنهم لم يملكوا الشجاعة للاعتراف به علنا. فاختاروا الطريق الاسهل والاخطر في آن واحد: اخفاء الكراهية خلف لغة اخلاقية ناعمة. لسبب مرتبط بطفولتهم ربما أو بتربيتهم ربما وجدوا أن كراهية الكرد هو هدفهم المقدس. فقدموا انفسهم كأصحاب موقف متوازن. قالوا نحن لا نكره احدا نحن فقط نحذر. لكن كلماتهم لم تكن تحذر من فعل سياسي محدد بل كانت تزرع الشك في هوية كاملة. في وقت كان معظم غير المحتكين بالكرد لا يعلمون عنهم شيئا بدأ صاحبنا تكرار النغمة بمناسبة وبدون مناسبة. فكانت نتيجة خطاب الكرد أخوتنا الأخلاقية المنصفة هي ملايين تحقد على الكرد لم تقابل في حياتها كرديا. هنا يرتاح أصحاب هذا الخطاب فقد وصلت الرسالة غير المنطوقة. وتحولت هذه اللغة الراقية الى اداة فعالة لاعادة اشعال نيران صراعات كان يفترض ان تخمد. هؤلاء ليسوا ضحايا الخطاب بل مهندسوه وقذارتهم الأخلاقية كانت بادية منذ البداية.
الخدعة !
اذا دققنا في العبارة سنجد بنية واضحة: ادانة لتنظيم سياسي ثم تبرئة اخلاقية لاحقة. لكن الخطر لا يكمن هنا. الخطر الحقيقي هو الربط الضمني الذي يحدث بين الادانة والتبرئة. في كل مرة يُذكر فيها الانفصال تُستحضر الهوية الكردية حتى وان كان الحديث عن حزب بعينه. ومع التكرار يترسخ هذا الربط في الوعي الجمعي.
العقل لا يعمل بمنطق الاخلاق بل بمنطق الترابط. وما يتكرر يثبت. ومع الزمن لا يبقى في الذاكرة ان هناك حزبا انفصاليا بل ان هناك هوية مرتبطة بالانفصال. جملة ليس جميعهم انفصاليين لا تمحو هذا الاثر لانها تأتي متأخرة بعد ان يكون الربط قد استقر. هكذا يتحول النقد السياسي الى وصم غير معلن لكنه دائم.
أنتم أخوتنا ولكن!
الرسالة التي تصل للطرف الكردي من هذا الخطاب واضحة حتى لو لم تُقل صراحة: نحن نقبلكم بشرط ان تثبتوا براءتكم. وهكذا يصبح الكردي مشتبها به بشكل دائم فقط بسبب انتمائه. وهكذا تنشأ علاقة غير متكافئة داخل الوطن الواحد. شخص مطالب دوما بالتبرير والنفي واثبات حسن النية وشخص آخر لا يُطلب منه شيء ولا يُسأل عن هويته.
في المقابل يشعر المتحدث براحة اخلاقية زائفة. كلما قال الاكراد اخوتنا شعر انه قام بواجب أخلاقي ثقيل جدا. قد يقولها وهو يتميز غيظا لكنه يخرج منها مطمئن الضمير. هذه الجملة لا تُقال للمتلقي بقدر ما تُقال لراحة المتكلم نفسه. اما المتلقي فلا يسمع الاخوة بقدر ما يشعر بالاتهام.
والحل! كيف ننتقد أخطاءكم؟
يقال ان الحل هو نقد متوازن لا يستحضر الهوية. هذا صحيح لكنه غير كاف. النقد يفقد قيمته الاخلاقية عندما يُمارس في اتجاه واحد فقط. من ينتقد الاخر باستمرار ولا يجرؤ على ممارسة النقد نفسه على جماعته او بيئته يمارس محاكمة انتقائية، والمحاكمة الانتقائية محاكمة ظالمة مهما بدت دقيقة في تفاصيلها. الهوية ليست مساحة آمنة للعب. ابسط انزلاق لغوي فيها قد يتحول الى شرارة صراع. وتكرار الشرار يولد النار التي تأكل الجميع.
أخيرا
خطاب لا نعني الجميع قد يكون من اخطر ادوات انتاج الانقسام. الكراهية الصريحة مكشوفة ويمكن مواجهتها، اما الكراهية التي ترتدي قناع الاخلاق فتعيش اطول وتتحرك بأمان اكبر. الآباء الاوائل لهذا الخطاب يحملون الوزر الأكبر.
الانتصار الحقيقي ليس في تبرئة ضميرك بل في حماية المجتمع. في لغة تحاسب الفعل لا الهوية وتنتصر للانسان، فقط الشيطان يظن نفسه خيرا من غيره لمجرد أصله وهكذا هو كل من يوزع حقده: دجال على شكل انسان..