عيادة الدوبامين السياسي!!
في بداية الألفينات أُجريت تجربة مدهشة... جُمِع فريقان من الناس: أحدهما متعصّب للحزب الجمهوري، والآخر متعصّب للحزب الديمقراطي.... ثم عُرضت عليهم شرائح وصور وتصريحات مختلفة، وفي الوقت نفسه راقب العلماء نشاط أدمغتهم ليروا كيف يتفاعل الدماغ عندما يسمع الإنسان شيئًا ضد قائده أو حزبه المفضل... النتائج كانت مثيرة للتأمل.
فضائح زعيمنا وفضائح زعيمهم
حين كان المشارك يرى معلومة أو فضيحة تتعلق بزعيمه، لم تنشط منطقة التفكير والتحليل في دماغه، بل المناطق المسؤولة عن العاطفة والغضب والاشمئزاز... بمعنى آخر، الدماغ كان يتعامل مع الفضيحة كأنها هجوم شخصي، لا كمعلومة يمكن التفكير فيها بهدوء... أما عندما كان يرى فضيحة تخص الطرف الآخر، فقد كان الدماغ يتعامل معها ببرود علمي، تتحفّز مناطق التحليل والمنطق، كأن الشخص أمام مسألة رياضية... أي أننا نفكّر بعقولنا في أخطاء خصومنا، وبعواطفنا في أخطاء جماعتنا.
أرجوك أديني الجرعة!
لكن الجزء الأهم والأكثر إثارة جاء لاحقًا، حين قدّم العلماء لكل مشارك تبريرًا بسيطًا أو سخيفًا لتصرف زعيمه...
في تلك اللحظة، لم يذهب النشاط العصبي إلى منطقة التفكير أيضًا، بل إلى منطقة المكافأة في الدماغ... بدأ الدماغ يفرز مادة الدوبامين ... نفس المادة التي تُفرَز حين يشعر الإنسان بالراحة أو الفوز أو الأمان.
كأن الدماغ يقول لصاحبه: لا تقلق، وجدنا مخرجًا، يمكنك أن تهدأ الآن....
وهنا كانت المفاجأة الكبرى... التعصّب ليس مجرد انحياز، إنه إدمان عصبي...كل مرة تبرّر فيها خطأ زعيمك أو حزبك، تنال جرعة صغيرة من الدوبامين...وكل جرعة تخلق حاجة إلى جرعة أكبر،فتبحث عن الصفحات والقنوات والأشخاص الذين يمنحونك هذه اللذّة المريحة... وحين تواجه رأيًا مخالفًا، تشعر بالاشمئزاز، تغضب، تسبّ قليلًا، ثم تعود سريعًا إلى دائرتك المألوفة، إلى فقاعة الراحة التي تطعمك يوميًا جرعتك من التبرير والتصفيق..
طقوس التعاطي الجماعي!
وهكذا يصبح النقاش على وسائل التواصل ليس حوارًا ولا تبادل أفكار...بل إدمانًا جماعيًا نمارسه معًا...نبرّر، نُصفّق، ونهاجم كل من يهدّد جرعتنا اليومية من الدوبامين....
من هنا نبدأ!
لكن، وككل أنواع الإدمان، العلاج الحقيقي ليس دراميًا ولا سريعًا...إنه بسيط وممل، لكنه فعّال.
أن تدرك أنك هكذا، أن الإنسان بطبعه منحاز...ثم تبدأ بتقليل الجرعة...ثم تقلل من مصادر التحفيز التي تغذي انفعالك،
تستمع أحيانًا للطرف الآخر، لكن لا للمتطرفين، بل للعقلاء الهادئين...وتقرأ في علوم محايدة: في علم النفس، أو الفيزياء، أو التاريخ....علوم لا تُطعمك الدوبامين، لكنها تُغذّي الجزء المنطقي الهادئ في دماغك
حرية الجوهر!
ذلك الجزء الصامت المهمل الذي نادراً ما يُستعمل، هو الذي يحتاج إلى هذا الغذاء الهادئ كي يعيش من جديد...وحين يبدأ بالعمل، ستفكر من دون خوف، وتسمع من دون غضب،وربما، أخيرًا، تصبح إنسانًا حرًّا، لا تابعًا لجرعته القادمة من الدوبامين.